شكوى الناي - جلال الدين الرومي
استمع إلى هذا الناي يأخذ في الشكاية، و من الفرقات يمضي في الحكاية.
منذ أن كان من الناي إقتلاعي، ضج الرجال و النساء في صوت التياعي.
أبتغي صدرا يمزقه الفراق، كي أبث شرح آلام الاشتياق.
كل من يبقى بعيداّ عن أصوله، لا يزال يروم أيام وصاله.
نائحاً صرت على كل شهود، و قريناً للشقي و للسعيد.
ظن كل أمرئ أن صار رفيقي، لكنه لم من يبحث من داخلي عن أسراري.
و ليس سري ببعيد عن نواحي، لكن العين و الأذن قد حرمتا من هذا النور.
و ليس الجسد مستوراً عن الروح و لا الروح مستورة عن الجسد، لكن أحداً لم يؤذن له بمعاينة الروح.
و إن هذا الأنين نار وليس هواء، و كل من ليست لديه هذه النار ليكن هباءً.
و نار العشق هي التي نشبت في الناي، و سريان العشق هو الذي سرى في الخمر.
الناي صديق لكل من افترق عن أليفه، و لقد مزقت أنغامه الحجب عنا.
فمن رأى كالناي سماً و ترياقاً؟ ، و من رأى كالناي نجياً و مشتاقاً؟
إن الناي يتحدث عن الطريق المليء بالدماء، و الناي هو الذي يروي قصص عشق المجنون.
و هذا الوعي محرم إلا على من فقد وعيه، كما أنه لا مشتر للسان إلا الأذن.
لقد صارت الأيام تسعى في أحزاننا بغير وقت، و أصبحت قرينة للأحزان و المحن.
فإن مضت الأيام فقل لها اذهبي و لا خوف، و لتبق أنت يا من لا مثيل لك في الطهر.
و لقد مل هذا الماء من ليس بحوته، و طويل يوم من لا قوت منه.
إن أحوال الكمّل العارفين لا يدركها فج ساذج، و من ثم ينبغي أن نقصر الكلام… فسلاماً.
و لتحطم القيد و لتكن حراً يا بني، فحتّام تظل عبداُ للفضة و عبداً للذهب؟
و إنك إن تصب البحر في إناء، فكم يسع؟ نصيباً يكفيك ليوم واحد.
و إن آنية أعي الحريصين لم تمتلئ قط، و لم يقنع الصدف لا يمتلئ بالدر.
و كل من مزق ثوبه من عشق ما، فقد برئ تماما من الحرص و من كل العيوب.
و لتسعد إذاً أيها العاشق الطيب، يا هوسنا، يا طبيبنا لكل عللنا.
يا دواء لكبريائنا و عنجهيتنا، يا من أنت لنا بمثابة أفلاطون و جالينوس.
لقد سما الجسد الترابي من العشق حتى الأفلاك، و حتى الجبل بدأ في الرقص و خف.
أيها العاشق، لقد حل العشق بروح طور سيناء، فثمل الطور و خر موسى صعقاً.
و أنا لو كنت قريناً للحبيب، لكنت كالناي، أبوح بما ينبغي البوح به.
لكن كل من افترق عمن يتحدثون لغته، ظل بلا لسان، و إن كان لديه ألف صوت.
و الورد عندما مضى “أوانه” و ماتت روضته، فلن تسمع البلبل بعد يروي سيرته.
و الكل معشوق، و العاشق مجرد حجاب، و المعشوق حي، و العاشق إلى موت.
و لو لم يقم العشق برعايته، يبقى كطائر بلا جناح، ويل له.
فكيف يكون لي علم بما أمامي و بما ورائي، إن لم يكن نور حبيبي أمامي وورائي.
إن العشق يريد أن يصدر مني هذا الشعر، و إن لم تكن المرآة منبئة فمن يكون؟
أتدري لماذا لا تنبئ مرآتك؟ ذلك لأن الصدأ لم يُجل عن وجهها.