نفس الشيء حدث مع الكثير من المذاهب في باقي أنحاء العالم، حيث لم يُجَردوا معتقداتهم إلى معانيها الحقيقية، بل عبدوها كأفكار وأشكال صنمية، وهذا جهل بعد المعرفة، ورجوع بعد السبق وتقاعس عن الوصول الحقيقي إلى ذلك المرقى المراقي، والذي فيه تنعدم الأشكال وتعود فيه الدائرة إلى نقطة البيكار، حيث لا بداية ولا نهاية، أي وكأنه العدم ولكنه ليس العدم، ولذلك يمكن أن يرمز لهذا العلم أيضاً بعلم الصفر الذي يكتب مثل الرقم /5/ في كثير من اللغات، فهذا الشكل إذن منتشر في كل اللغات وله مقام قدسي معين لأنه يرمز إلى علم سري يسري بطاقته ولطافته ليتغلغل في كل أجسام الإنسان الباطنية ويصل به في النهاية إلى السعادة الأبدية.
بلغة الرياضيات لو أننا قسمنا الرقم صفر /0/ على أي عدد فيكون الناتج صفراً، ولو قسمنا أي عدد على الرقم صفر فيكون الناتج عدم تعيين أي لا نهاية والتي يرمز لها هكذا [¥]، أي مقاربة رقمين بشكل /5/ إلى بعضهما فيتلاقيان في نقطة واحدة هي الصفر.
ما هذا السر؟ وكيف سنجمع الطرفين في أحدية بندول الحياة؟ كيف لنا أن نحوِّل شكل الكرة بشكل عام أو الكرة الأرضية بشكل خاص لتغني مجد اللا نهاية؟
وبما أن الرقم /5/ يرمز إلى عالم اللا شكل وغاية الإنسان أن يتحول من شكله المحدود إلى شكله اللا محدود، فكيف نسقط هذا العلم على واقعنا الآن؟
إنه يسري في كل شيء من دون أن يؤثر في ذلك الشيء الذي يسري به ولولاه لما كان ذلك الشيء موجوداً، لنأخذ مثلاً جزيء الماء كرمز للحياة على الأرض والذي يرمز له بـ
أي ازدواجية ذرتي هيدروجين وينظران إلى أحدية ذرة أكسجين حر وليس جزيء ثنائي O2 بل حر لأنه أحدي فيصبح الشكل مثل بندول الحياة.
إذن جزئي الماء موجود وله وجوده من دون أن نعرف نحن هذا العلم، ولكنه أي جزيء الماء لن يكون منسجماً مع القانون والنظام من دون أن يكون هناك شيء يسري به يبعث له ذلك النظام، وهذا هو فرع من العلم الخامس الخاص، ولذلك سأحدثكم الآن عنه ولو أن الكثيرين لم يختبروه، فنحن موجودون بمستويات مختلفة من ناحية الأجسام المادية والأثيرية والعاطفية والعقلية وما الذي يجمع كل هذه الأجسام والتي من طبيعتها الظاهرية الازدواجية ومن طبيعتها الباطنية الأحدية وما الذي يحافظ بالباطن على أحديتها ويسري بها ليبقيها حية على القانون أو النظام.
إنه الجسم الخامس والذي بمجرد أن نصل إليه أصبَحْتَ بمقام آخر غير ثنائي وأنتم تعرفون أن الجسم الخامس هو نفسه جسم المحبة ولذلك فإن كل ما تحته من أجسام موجودة بسبب تغذيته لهم بالحب!! «وهل دار ما في الأفلاك بغير تجاذب الحب الحقيقي؟». فكان سبب وجودهم ونموهم ونشأتهم هو الحب، وعندما نقول الحب أي انعدام الثنائية أي نرمز له بالرمز
O، والذي يمثل مقام اللا نهاية، حيث بدخولنا لهذا المستوى فإننا نستطيع أنْ نجمع له ما يليه من أجسام مثل جسم القدر وجسم الإرادة والتي هي الروح ونوحِّد هذه الأجسام الثلاثة في جسم واحد، هو علم التوحيد أو علم الهيولى، لأن هذا الثلاثي من الأجسام العميقة يحمل أبعاداً لا نهائية وبعلم اللا نهاية لا نستطيع أن نفرق بين جزء وآخر أو جسم وآخر فيمكن أن تقول إن الكل واحد هنا ولذلك كان في العقائد أهمية «توحيد الثلاثيات».
فنرى في العقائد الهندوسية مثلاً، أن الثالوث المقدس «الباني - الحافظ - الهادم» هم إله واحد ولكنهم يُفصِّلونهم لتوضيح أمر ما للعالم المسطح، فعندما يقولون إن «براهما» هو الباني و«فيشنو» الحافظ، و«شيفا» الهادم.
لا يعني كما يتصور جهلتهم بأنهم آلهة مستقلة منفصلة، بل لكي يصح التعبير في العالم السطحي الظاهري وللتعبير عن صفة الهدم أنها تعادل صفة البناء وللتعبير عن أن الألوهة الواحدة هي نفسها التي تعمِّر وتبني ونفسها التي تحرق وتدمر ونفسها التي تساند وتحفظ كل ما في الكون، وبما أنها اتصفت بالصفات المتضادّة، فحقيقتها غير تضادّها فهي الشاهد الأبدي.
وكذلك نرى في الطب الفيدي «أن ثلاث نبضات هي أساس التشخيص المرضي ولو أن أحديتها واحدة، بل على مستوى معين نفرق بينهم لنفهم أشياء تناسب عالمنا السطحي.
فعندما يقولون إن الثلاثة «فاتا - بيتا - كافا» نبضات لها أوقات ولها أماكن تَوَضُّع، هذا صحيح في المستوى الظاهري، وهم أنفسهم أي الأطباء الفيديون يُعبِّرون عن هذا النبض الثلاثي بأنه يجب أن يتلاشى وينعدم في أحدية واحدة تسمى بـ«السامهيتا» لكي يتجاوز الإنسان المادة إلى الأثير. حيث إن الأثير واحد، وأول ما يدخل ليتصل في
DNA الخلايا، الواحد في كل الجسم، ومن ثم يحدث التعدد على مستوى السطح، ومن أجل ذلك فإنهم ينصحون مرضاهم بتمارين مثل التنفس والتأمل والحمية والاستقامة في الحياة، لكي يتجاوز مرضاهم خلل توازن الثلاثي النبضي إلى أحديته بمقام التجاوز في السامهيتا، وعندها فإن الفرد يتصل مع أحدية عُلْوية مثل اتصال كل العلوم والأجسام بأحدية عُلْوية يعبّر عنها بالخامس أو الحُبّ.
وكذلك في المسيحيَّة نرى الثالوث المقدس والذي من الناحية الظاهرية نرى أن هناك ابناً وآباً وروح قدس ولكن بالحقيقة الباطنية هذا ثالوث ظاهري لكي نفهمه بواقعنا الحسي، ولكنه يعبر عن أحدية ألوهية واحدة.
بغض النظر عما يعتقده الجهّال من كل مذهب، حيث إنهم يختلفون على مستوى السطح، فمنهم مَنْ يريد أن يمجد «شيفا» أكثر من «براهما» ومنهم من يريد أن يمجد «الابن» أكثر من «الآب» أو العكس وهكذا تصارعت الشعوب على مستوى السطح وكان تصارعها كله وهماً بوهم، حيث إنهم بالحقيقة مختلفون على الإله الواحد والذي يجمع كل هذا التعدد الظاهري.
والسبب الكامن خلف كل الأمراض والحروب والنزاعات المذهبية سبب واحد لا غير، وهو نقص الحب أي نقص التواصل مع النبع مع الأساس مع الروح، مع الجسم الخامس أو العلم الخامس، والذي سريانه في ما دونه بشكله الطبيعي يعطي حياة أحدية ومقدسة وكلِّيَّة، ويعطي جنة على الأرض.
فبتنشيط هذا العلم ستتحول الأرض وسينمو وعي جديد لينبثق من بين الوعي الجماعي الآن، ويصبح هذا الوعي بازدياد إلى أن يصل إلى نسبة معينة يكون عندها كافياً لتحويل الأرض لتصبح غير أرض، والدار لتصبح غير دار.
فهذه هي القيامة الكبرى قد قامت حقاً كانت وعداً منذ السنين، ولكن بقدر ما هي الحقيقة بسيطة وسهلة وحلوة وجميلة، بقدر ما هو صعب مستصعب تطبيقها، ولذلك قيل: «التوحيد صعب مستصعب لا يحمله إلا نبيٌّ مرسل أو ملك مقرب، أو مؤمن امتحن قلبه بالإيمان».
إذن ما هو مطلوب منَّا هو الامتحانات والرضا بها «ولا تزال تلك الامتحانات جارية بينكم حتى يميز لكم الخبيث من الطيب».
فأين هي الامتحانات الآن؟
إنها «المحن والبلايا التي بها تهذبت النفوس وبها صفت يا أرحم الراحمين».
فالغاية توحيد رب العالمين، والغاية حب الألوهية الكامنة في جميع المخلوقين والسامية عن الناس أجمعين، الموجودة حقاً وصدقاً والمنزهة عن كل ما هو موجود.
فكيف لنا أن نجعل هذا العلم يسري بنا السريان الطبيعي المؤدي إلى نمونا الطبيعي، وكيف نتعدى حدودنا وأمراضنا لكي نحب ونحب فقط؟.
إن جواب هذ السؤال غير موجود بما سأقوله الآن، بل موجود في كل المسار الملكي لتحقيق الذات، أي هناك في كتب هذا المسار نفحة دوماً من العلم الخامس، وهناك دوماً نفحة حب من أجل استشعارها والتي بدوام استشعارها سنسّرع نمونا الطبيعي نحن بإرادتنا وبأيدينا وليس من وسيط خارجي سيوهمنا أننا ننمو وهو يُجمِّع الطاقة في أحد مستوياتها لتتضخَّم وتُضخِّم الجسم الذي تجمَّعت به، فيعتقد الإنسان أنه وصل إلى العلم الخامس وهو بحقيقته ضلَّ عن الطريق واعتقد بنفسه أنه موحد وكان بباطنه كافر ملحد، أي غشَّاه ما غشَّاه، وغطَّاه ما غطَّاه، من حُجب ما صنعت يداه باختياره وبناء على قدر محكم يفرضه عليه ما جنته يداه في جنب مولاه عبر ما مضى من أزمان.
إذن، لا بد من معرفة أهمية التوازن عبر الأجسام الباطنية، ولا بد من معرفة أهمية عدم اللحاق بالمعلمين الذين ينشطون طاقات دون أخرى فيرى الإنسان أنواراً مبهرةً ويدخل في عوالم تجاوزية أثيرية، يعتقدها الوصول وما هو بالوصول «ولم يكن قد رأى جمالنا، بل شاهد ظلال ظل أنوارنا» لقد تلهى عن المنعم عن مولى الموالي، «وإنها دمىً أَلْهَت الأولاد عن آبائهم عن المنعم، عن ذاتنا وذواتنا، وهل بعد العمى إلا الضلال المبين».
لا أقصد التخويف بكلامي، بل التحذير، إذ لا مانع من أن يتتلمذ الإنسان على يد أي معلم في البداية ليعلم أنه لفترة وعليه بعدها أن يوحّد بنفسه بين العوالم، أي لا أن يصبح تابعاً ويخسر نفسه بانجراره وراء أشخاص وصور، بل يأخذ منهم العلم والذي أصلاً لم يأخذه من ذلك المعلم، ولم يلتقِ مع ذلك الأستاذ إلا بناء على قدر وذكاء دقيق، وباستحقاق عميق، صحيح هناك يوجد اختلافات بين المذاهب والمعلمين والأستاذيين، ولكنه الفرد بما موجود في جسمه القدري قد جعله يأتي ليتتلمذ بهذه المدرسة دون غيرها، فلا مانع من بقاء كل واحد مع معلمه وبمدرسته وعليه أن لا يغيِّره، لأن معلمه يحمل له حقيقةً هو بحاجة لها الآن بالذات، وربما يقول البعض لم أجد معلماً، متناسياً الأنبياء والرسل ومتناسياً المذاهب والأديان. ففي كل مذهب حقيقة، صحيح أنه ليس كل الحقيقة ولكن فيه حقيقة، ستنفع هذا الإنسان المخلوق عليها، لأنه أساساً لم يولد بهذا المكان وبهذا الزمان، وعند ذلك الإنسان إلا بناء على قدر دقيق واستحقاق عميق، فلماذا تبديل المذاهب لنخرج من قالب إلى قالب؟ كل ما في الأمر أن يأخذ الإنسان النور الموجود بين يديه وعبر المعلم الذي يرسله القدر إليه، وعبر الكتاب الذي لن يصل إلى يديه إلا بقدر، فبهذه المناسبة، اعلم يا أخي القارئ، أنك مستحق أن تتعرَّف على هذه الأسرار وأكبر دليل قراءتك لها الآن، فاعلم أنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بناء على قدرٍ محكم وفعل متقن، ولا تتعب نفسك وتلتهي كثيراً في البحث عن المعلومات، فاعلم أنَّ الذي يجب عليك معرفته والذي ينفعك الآن ستعرفه لأن العلم أو المعرفة غايته للتطبيق فوراً، وإلا سيتحول إلى حجاب حقيقي يحجب نور الحب عن الوصول إلى داخل القلب.
فلا تنبهر بالتيارات وإغراءات المذاهب والمعلمين وبالمدارس والمدرسين، اعلم يقيناً أن القداسة تعرف أين ستتحدر ومتى وعلى أي قلب، فتيقن وآمن، آمن فقط، وكل شيء سيتحسن.
وما عليَّ أن أخبرك إياه الآن هو أن تأخذ العلم حتى حين، أي بعد فترة ستستغني عن قوالبك وأشخاصك لتصبح أنت الموحّد فأنت أنت المقصود، ولذلك قيل:
«خذوا الحكمة ونورها من أي سراج شئتم، أو النار من أي شمعة رأيتم حتى حين فكلها منَّا ولنا»، وكلمة «حتى حين» هنا إشارة لمعنى الفكرة التي أود إيصالها أي أن نأخذ علماً من معلم للتطبيق ونتجاوز شخصية المعلم، وإلا سنقع فريسة بندول الحياة بتطرفنا إلى الوجود وإلى عبادة الأشخاص والتبعية للأشخاص والصور بدلاً من الشُّعور بالحق المصوِّر وبالحب النقي…
إذن لكي تسري طاقة التوحيد الحقيقية ولكي تنسجم وتدرك العلم الخامس يجب أن يتوفر فيك توازن عميق بالأجسام الباطنية وهذا قد يحتاج إلى جهاد آلاف السنين.
وأمام هذا التناقض المتزايد الذي نراه من تابعي المذاهب والمعلمين سيتشكل رد فعل على الوعي الباطني وسيتمسك الإنسان بالمادة من جديد إلى حد العبادة، وهنا لا تنسَ أنه من منظور كلية الحياة لا يوجد ما هو سلبي بالمطلق أو إيجابي بالمطلق، ولا ننسَ أن الذكاء الكوني خيرٌ محض وهو وحده يعرف الصالح العام والترقي الأفضل لأمة معينة أو تجمع معين، فيتيح لهم معارفاً قد تخلق في أذهانهم تناقضاً، فيتألم المريدون وتبدأ المعاناة الرُّوحيَّة والحيرة والشكوك، إلى أن يومض بصيص نور من بعيد يرشدنا إلى قمة جديدة علينا الصعود إليها فنصعد بعد جهد جهيد، ونصل لنتفاجأ أن القمة الجديدة التي وصلناها هي نهاية هرم وبداية هرم جديد له قمته التي علينا أن نصعد إليها، وهكذا تتوالى النفوس بالترقي والاختبار، تضربها المحن والبلايا وتصيبها عواصف بحار الفكر الهوجاء والتي لم تكن موجودة إلا لتخلق هذا التناقض والذي منه سينمو وعي الأحدية بها.
فليعلم الجميع بهذه المناسبة أنَّ كل مَنْ يُعدّ نفسه من الواصلين فهو أبعد المبعدين، وكل مَنْ يُعدّ نفسه من العارفين هو أجهل الجاهلين.
ولذلك كان سقراط يقول:
«الآن عرفت أني لا أعرف».
لا وصول إلى التوحُّد إلا بعد سلوك طريق التوحيد العملي، فيندمج ثالوث «العارف - غرض المعرفة - عملية المعرفة»، في كلٍّ موحد هو التوحُّد، عندها ستصبح المعرفة هي نفسها العارف، وهنا لا يستطيع أن يقول العارف عن نفسه بأنه عارف لأنه بمجرد شعوره هذا الشُّعور فهذا أكبر دليل على أن الأنا الشخصي قد انفصل عن المعرفة من جديد، ليعود إلى تجزئة الكلية، فيقول إنه عارف وأن هناك معرفة يعرفها، بينما في الحقيقة وبلغة التوحُّد الحقيقية لا يوجد هذا الفصل، إذ عندما يندمج العارف بالمعرفة يصبحان كلا موحداً ولا يوجد شعور بذاتية مستقلة خارجية، بل كل شيء مجتمع بداخل الذات وبالتالي هذا هو مقام الاتصال العميق، والذي به سيتحقق التوحُّد الحقيق.
أما مَنْ يُسارع في حياته إلى تنشيط شاكرات طاقاته ولا سيما أولئك الذين يعتمدون على تنشيط مركز السرَّة، حيث الضفيرة الشمسية والتي من خلالها ومن خلال تنشيطها بتمارين تنفس وأصوات لفظية معينة سيدخل الإنسان في دوامة الطاقة الأثيرية وقد يرى أنواراً مبهرة ويشاهد عوالم أخرى ويكلم أناساً من ذوي اللطافة ويعود لواقعه المادي معتزاً مغتراً متضخماً أناه معتقداً بنفسه أنه قد وصل، ويا للمسكين ما هذا الوصول الذي قيل فيه:
«وما كان قد شاهد جمالنا، بل رأى ظلال ظل أنوارنا».
فهل رؤية النور المنعكس على السطح هو حقيقة النور وهل ظل ظله هو الحقيقة، وهل هذا يؤهلنا لكي نعلم الناس هذه التمارين متناسين أن باقي شاكرات الطاقة الأربعة العلوية ستصبح عبدة لشاكرا الضفيرة الشمسية، وسيصبح الإنسان مَثَله مثل شجرة غايتها الأساسية الثمرة ومن ثم البذرة لتكوِّن شجرة، أما أن نجرح ساقها ونمتص نسغها ونُسوِّل لأنفسنا تعليم الآخرين هذه التمارين فهذا جريمة أقسى من قتل الجسد، لأنه بموت الجسد لا شيء يفنى ولا شيء يموت، أما بقتل الروح والذي هو بمثابة النسغ الذي سيعمل دوماً على دعم الشجرة لتثمر ولو بعد عشرات السنين، فالمهم أنها على الطريق ولا يوجد لديها أمنية بتسريع إثمارها من خلال امتصاص نسغها أو حقنها بهرمونات منشطة تؤدي إلى ثمار جوفاء غير طبيعية تُمرض مَنْ يأكلها.
لنعلم أيها الأخوان أن التوحيد صعبٌ مستصعب وهو من طبيعة السهل الممتنع، عندما ننسجم مع سرِّه السهل في القبول، في الرضى ، في التسليم في التأمل العملي من خلال استقامتنا بالحياة ومن خلال مراقبة ضميرنا الدائم لما يجري على مسرح الحياة عندها سننمو النمو الطبيعي المقرر إلهياً لنا، أما أن نتعدى طورنا ونجمّع حولنا جماعات بأسماء براقة نستقطب بها طاقات الناس المادية والأثيرية والمعنوية فلا أدري أنه سيتم هكذا عمل بدون رد فعل يُرَجِّع نفوسنا إلى أصلها لتبقى متوازنة بأمانيها، فعندما يتعلق الترقي بالفرد نفسه فليعمل ما يريد ضمن علمه فعدل الله بالتخيير، أما عندما يتعلق الأمر بمجتمع فهنا لا بد من التنبيه أنه: «قد تظن نفسك تعمل من أجل الروح، لكن تذكر أن دافعاً أنانياً يكمن خلف عملك هذا».
وأكبر دليل على الأنا الشخصي وظهوره في الأوساط الاجتماعية عندما يسعى عن قصد أو بغير قصد إلى ربط الجمهور بشخصيته وهذا بمثابة القتل الحقيقي، أو يسعى لربط الجمهور بمعلمه أو أي إنسان آخر وهذا بمثابة الزنى الحقيقي ، فاعلم يا أخي القارئ الكريم أن الذي ينتقد غيره من المعلمين والحكماء ويحاول أن يدعوك إلى معلمه فقط فهو مدَّعي التوحيد وقد تكون غايته الرئاسة والتمجيد.
واعلم أن الذي لا يقبل كل ما في الوجود كرسول له من قبل الذات السامية لن يصل إلى حقيقة التوحيد، فالتوحيد ليس تجمعاً لإنسان وتعلقاً بإنسان آخر ونفي الحكمة والعلم عن آخر، فهذا واضح أنه تطرف إما إلى اليمين أو إلى اليسار وكلاهما مضلان، أما مَنْ يقبل النور من أي إنسان ومن يرى نوراً خلف الشيطان ويرى جمالاً خلف القبح، ويرى رسالة خلف الألم، ويرى ازدهاراً خلف الكوارث والحروب والنكبات، حقاً إنه موحد، وحقاً إنه لسامٍ، لأنه ينظر بعين الحكمة، ينظر بعين اليقين وبعين الكلِّية، فلا يوجد لديه تطرف ضمن حدود عقله الجزئية، إذ إنه قضى على الموت وعلى تصارع الأضداد ضمن عالم الثنائية، عالم المستوى الأفقي، وارتفع إلى مقام راقٍ لا يحسده عليه أحد ولا يحسد من خلاله أحد لأنه ارتقى بداخله عن مستوى السطح وإن ظهر كغيره بالمظهر، ولكن لا يغشك مظهره، إذ إن جوهره بداخله قد سما وسما إلى أن وصل إلى عالم السما، فهو يعيش في العالمين الأفقي والعمودي، ولا يحسده أحد لأنه متوازن في مستوى الأفق ولا يحسد أحداً لأنه دخل في عالم العمق عالم أحدية الذات عالم «إنا رفعناه مكاناً عليَّاً»، عالم «يهدي الله لنوره مَنْ يشاء»، عالم السلام الأرفع والذي فيه الحب لا أجمل ولا أحلى ولا أروع وفيه الخير والبياض ولا أنصع.
فلا خيرٌ عليه الشر يربو، ولا ظل بداخله يتحول إلى ثقب أسود من خلاله يحسد، بل عالم اللطافة الكامل وعالم البهاء والرفعة والجلال، عالم «لتكن مشيئتك مشيئتي».
عالم «أنت أنا وحقيقتك هي عين باطني».
طوبى لنفس صعدت إلى ذلك العالم!!.
وطوبى لأمة ولدت فيها أنسال ذلك العالم!!.
«فبالتوحيد تُعرف الأشياء، لا بالأشياء يُعرف التوحيد»، وإن أهل التوحيد على سرر متقابلون، توحدت بهم العيون وزالت من بينهم شهوات البطون، حيث إنهم بالأثير وتوافر نعمه لا ينبهرون وبأموالهم وذراريهم ودمائهم وانتسابهم لا يفخرون، لأنهم من نسل نور أتوا وإلى نسل نور يعودون.
فطوبى الخلد في جنتهم إنهم فيها خالدون.
ولبئس الناكرون المستنكرون، إنهم في جحيم أنفسهم يعيشون وإلى جحيم مستقبلهم مقبلون، إن كنوز ذهبهم توهموا امتلاكها خارج أنفسهم.
أما أنتم يا أيها الموحدون فحققتم الذهب في هالاتكم ونفوسكم، حيث ببريقه تُشِعُّون وأنتم بكنوز الحكمة والعلم الخاص ممتلؤون وإنكم الوارثون المالكون حقاً لأنكم لذهاب ذهبكم تنفقون، ولحب داخلكم مراكمون.
«سبقنا يا مولانا أحباب أخلصوا لك الحب، فنعموا برضوانك الأبدي فألحقنا بهم وأدخلنا في جنة عشاق جمالك».
الدكنور : نواف اشبلي